رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

35

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

الطيّبة بتحمّل الأذى منهم الذي هو نوع من أسباب رفع الدرجات ، مع أنّ ذوبانهم بنار الابتلاء بهم يُظهر خلوص جواهر ذواتهم عن شوب محبّة الدنيا ، وكذلك قد ينتفعون بهم - من جهة صيرورتهم سبب بقائهم بدفع بعض منهم بعضاً - قصدَ ملكه وغارة أهل مملكته ، فيكون الطينات الطيّبة التي في جملة رعاياه ، ويؤدّون الخراج إليه في رفاه من العيش . ومن وجوه الانتفاع أنّ بعض الأخباث يصير سبب فناء بعض الأطياب إذا استوفا ما قدّر له من الحياة والرزق ، وحان حين الوفود على مولاه والنزول في مأواه ، فيخرج من الدنيا بوجه يوجب له الذكر الجميل والأجر الجزيل . ومن المصالح في خلق الطينات الخبيثة أن يعتبر بهم الطينات الطيّبة ، فيشكروا للَّه على أن ليسوا منهم إلى غير ذلك من المصالح التي يطول الكلام بتعدادها ، وجميع الخبيثات والخبيثين على تفاوت طبقاتهم من سنخ واحد وكنفس واحدة ، فالذي صدر من بعضهم الذي كان في الزمن السالفة في حكم أن صدر من بعضهم الذي في الزمن الغابرة ، فيصحّ أن يسند ذلك إليه ، ويوبّخ عليه ، كما في قوله تعالى في سورة البقرة : « فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » « 1 » ، وفي سورة آل عمران : « قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ » « 2 » فالمخاطبات والمعاتبات التي للَّه تعالى مع القرون الخالية في القرآن تجري مع القرون التالية بعينها ، والأوّل ظهر القرآن ، والثاني بطنه ، وليس لأحد أن يقول : إنّ الآيات التي ذكرت في استضعاف آل فرعون لمؤمني آل موسى كيف تؤوّل باستضعاف فراعنة آل محمّد عليه السلام إيّاهم ؟ وما وعد اللَّه على المشركين والجاحدين لنبوّة النبيّ صلى الله عليه وآله كيف يجري في فلان وفلان وأصحابهما الجاحدين لولاية الوصيّ عليه السلام ، ومن لم يحكم هذا الأصل الأصيل تعسّر عليه تصديق أخبار هذا الباب بدون تكلّف وشوب اضطراب ، وقد أومى إليه الناقد البصير صاحب الوافي قدّس اللَّه [ روحه ] ونوّر ضريحه .

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 91 . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 183 .